01-06-2009, 06:22 PM
|
#44
|
|
مشــرفة الحوارات
|
.
.
السيدة " تـاء " تتحدث للمرة الأخيرة
ذات يوم ، وتحديدا ً في الرابعة والنصف عصرا ً ، كنت في صالة المنزل وكان يعج بالضيوف : بعضهم أتى زيارة لـ " جدة " ، والبعض الآخر أتى من " الرياض " لأداء العمرة في " مكة " ، وقبلهم كانت أختي الكبرى ومعها أثنين من أولادها .. ورفضت وبأصرار أن تسكن في فندق أو شقة مفروشة ، فالقصر كبير وفيه الكثير من الأجنحة . في ذلك اليوم كان الجميع وبدعوة من زوجي يتناولون وجبة الغداء عندنا .. عندما أتاني أتصاله .
أهتز هاتفي النقّال – المخصص فقط لأتصالات فارس – وكنت أضعه على الصامت . أنسحبت من الصالة ، وذهبت إلى المطبخ لأرد على مكالمته :
قلت بصوت منخفض : هلا حبيبي .
رد بسرعة ودون أن يرد التحية : أريد أن أراك ِ وبأسرع وقت ممكن في المقهى الأيطالي .
ودون أن أنتبه للأرتباك والفزع في صوته ، أجبته : لا أستطيع .. أقاربي هنا .. ولدينا غداء ...
قاطعني : أرجوك .. أرجوك أن تذهب ِ إلى هناك ..
قاطعته بقلق : ما الذي يحدث ؟!
قال : لا شيء .. لا شيء .. فقط أريد أن ألتقي بك لخمس دقائق .. بل أقل . أبحثي عن أي عذر .. قولي لهم أنك تلقيت ِ أتصال من أحدى صديقاتك وهي بحاجة ماسة لحضورك .. أو في طريق عودتك أشتري بعض الهدايا من السوق لضيوفك وكأن الهدايا هي سبب خروجك .
قلت له : حسنا ً .. سأجد حلا ً .. وستجدني هناك !
قبل أن أدخل إلى المقهى ، قلت لسائقي : لا تذهب .. سأعود بعد دقائق .
دخلت المقهى ، وبعد دقيقتين دخل هو ، وكان يحمل هاتفه ويضعه على اذنه ، وبيده الأخرى كان يحمل صحيفة " الحياة " . أختار أحد المقاعد البعيدة .. ظننت أنه لم يراني .. وفي اللحظة التي هممت بها للنهوض من مقعدي ، للذهاب إليه ، رن هاتفي النقال .. نظرت إلى الشاشة وكان المتصل هو !
رديت على أتصاله بأستغراب : لماذا كل هذا ؟!
قال : اسمعيني جيدا ً .. الصحيفة التي ترينها الآن بيدي في داخلها ملف مليء بالأوراق .. سأخرج الآن ، وأترك الصحيفة وبداخلها الملف ، وبعد دقائق من خروجي تأتين وتأخذين الصحيفة والملف معك ...
لأول مرة أشعر بالخوف .. قاطعته : ما الذي يحدث يا " فارس " ؟
قال : أعتذر عن أي ازعاج سببته لك ، وسأتحدث معك لاحقا ً .. فقط حافظي على هذا الملف كما تحافظين على أشياءك الثمينة .
قبل أن أرد أغلق الهاتف ، وخرج مسرعا ً .. أردت أن اناديه ، وفكّرت أن اتبعه .. ولكن .. لم أستطع . بقيت جالسة في مكاني .
لأول مرة في حياتي أشعر بالخوف ، وأزداد خوفي للطريقة التي أراد أن يسلمني فيها هذا الملف الذي لا أعلم ما هو محتواه ، وخروجه السريع من المكان ، ورؤيتي له – من خلف الزجاج – وهو يتلفت يمينا ً ويسارا ً عند خروجه ، وشيئا ً آخر فعله قبل أن يغيب عن مدى النظر : أخرج شريحة هاتفه النقال ، وكسرها إلى نصفين ، ورماها في حاوية القمامة !
قمت من مكاني وأنا أشعر ببرود في أطرافي لم أشعر به في حياتي ، وألف ألف سؤال يعصف في رأسي . أتجهت للمكان الذي كان يجلس فيه ، وبأصابع مرتعشة مددت يدي وأخذت الصحيفة وما تحتويه . في السيارة أخرجت الملف من الصحيفة ، وكان مكتوبا ً على ظهره بالخط العربية ( أوراق محمد الوطبان ) وفي داخله عشرات الأوراق المكتوبة بخط اليد ، وبعض قصاصات الصحف .
آآه لوكنت أعلم أن هذا اللقاء هو اللقاء الأخير مع فارس سعيد ، أو محمد الوطبان ، أو أبو معاذ .. أو أيا ً كان الأسم الذي يحمله .
لو كنت أعرف أنها المرة الأخيرة التي أرى فيها وجهه الحبيب لأحتضنه أمام الملأ وقبّلته كثيرا ً وبكيت على صدره إلى الأبد .
هو الرجل الوحيد الذي أحببته في حياتي . قبله كانت حياتي عبثا ً وفوضى ، وبعده صارت الأشياء بلا طعم .
بعده تغيّرت كثيرا ً .. وكبرت كثيرا ً ..
مرّت سنتين على هذا اللقاء الأخير ، وآخر ما قاله لي " سأتحدث معك لاحقا ً " !!.. ولم يتحدث .. بل لم يعد لرقمه وجود .. هكذا ، وبكل بساطة ، تنتهي أحلى حكايات العمر .
ما أزال أبحث عنه في وجوه الآخرين ، وفي كل الأماكن التي أرتادها . يخيّل لي أحيانا ً أنني أراه .. ولكنه يظل خيال . حتى الهاتف المخصص لأستقبال اتصالاته ما زلت حتى هذا اليوم أحتفظ به وأحافظ عليه وأشحنه بالرصيد على أمل أن أتلقى أتصالا ً منه ، وكل مساء أعود إليه لعل فيه رسالة هاتفية منه !
كل مساء أفكر : ما الذي حدث له ؟
هل تمت تصفيته لسبب ما ؟
هل وصلت إليه " الجماعة " وثأرت من " الجاسوس الداخلي " الذي كشف الكثير من أوراقها ، وقام بأحباط بعض عملياتها ؟
أم أنه الآن يعيش في مكان ما ، بشخصية رابعة ووجه جديد ؟!
" النهـايـة "
.
.
|
|
|
|
|